فصل: من أقوال المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على إمكان القيامة، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال: {فلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُون (38) وما لا تُبْصِرُون (39)} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
منهم من قال: المراد أقسم و(لا) صلة، أو يكون رد الكلام سبق، ومنهم من قال: لا هاهنا نافية للقسم، كأنه قال: لا أقسم، على أن هذا القرآن قول رسول كريم يعني أنه لوضوحه يستغني عن القسم، والاستقصاء في هذه المسألة سنذكره في أول سورة {لا أُقْسِمُ بِيوْمِ القيامة} [القيامة: 1].
المسألة الثانية:
قوله: {بِما تُبْصِرُون ومالا تُبْصِرُون} يوم جميع الأشياء على الشمول، لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر، فشمل الخالق والخلق، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجن، والنعم الظاهرة والباطنة.
{إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ (40)}
واعلم أنه تعالى ذكر في سورة {إِذا الشمس كُوّرتْ} [التكوير: 1] مثل هذا الكلام، والأكثرون هناك على أن المراد منه جبريل عليه السلام، والأكثرون هاهنا على أن المراد منه محمد صلى الله عليه وسلم، واحتجوا على الفرق بأن هاهنا لما قال: {إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ} ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر، ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة، بل كانوا يصفون محمدا بهذين الوصفين.
وأما في سورة: {إِذا الشمس كُوّرتْ} لما قال: {إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ} ثم قال بعده: {وما هُو بِقول شيطان رّجِيمٍ} [التكوير: 25] كان المعنى: إنه قول ملك كريم، لا قول شيطان رجيم، فصح أن المراد من الرسول الكريم هاهنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي تلك السورة هو جبريل عليه السلام، وعند هذا يتوجه السؤال: أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى، وحينئذ يلزم أن يكون الكلام الواحد كلاما لله تعالى، ولجبريل ولمحمد، وهذا غير معقول والجواب: أنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فهو كلام الله تعالى، بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ، وهو الذي رتبه ونظمه، وهو كلام جبريل عليه السلام، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السموات إلى الأرض، وهو كلام محمد، بمعنى أنه هو الذي أظهره للخلق، ودعا الناس إلى الإيمان به، وجعله حجة لنبوته.
{وما هُو بِقول شاعِرٍ قلِيلا ما تُؤْمِنُون (41) ولا بِقول كاهِنٍ قلِيلا ما تذكّرُون (42)}
وههنا مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ الجمهور: {تؤمنون} و{تذكرون} بالتاء المنقوطة من فوق على الخطاب إلا ابن كثير، فإنه قرأهما بالياء على المغايبة، فمن قرأ على الخطاب، فهو عطف على قوله: {بِما تُبْصِرُون وما لا تُبْصِرُون} [الحاقة: 38، 39] ومن قرأ على المغايبة سلك فيه مسلك الالتفات.
المسألة الثانية:
قالوا: لفظة ما في قوله: {قلِيلا مّا تُؤْمِنُون}... {قلِيلا مّا تذكّرُون} لغو وهي مؤكدة، وفي قوله: {قلِيلا} وجهان الأول: قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله، والمعنى لا يؤمنون أصلا، والعرب يقولون: قلما يأتينا يريدون لا يأتينا الثاني: أنهم قد يؤمنون في قلوبهم، إلا أنهم يرجعون عنه سريعا ولا يتمون الاستدلال، ألا ترى إلى قوله: {إِنّهُ فكّر وقدّر} إلا أنه في آخر الأمر قال: {إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثرُ} [المدثر: 24].
المسألة الثالثة:
ذكر في نفي الشاعرية {قلِيلا مّا تُؤْمِنُون} وفي نفي الكاهنية {مّا تذكّرُون} والسبب فيه كأنه تعالى قال: ليس هذا القرآن قولا من رجل شاعر، لأن هذا الوصف مباين لصنوف الشعر كلها إلا أنكم لا تؤمنون، أي لا تقصدون الإيمان، فلذلك تعرضون عن التدبر، ولو قصدتم الإيمان لعلمتم كذب قولكم: إنه شاعر، لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر، ولا أيضا بقول كاهن، لأنه وارد بسبب الشياطين وشتمهم، فلا يمكن أن يكون ذلك بإلهام الشياطين، إلا أنكم لا تتذكرون كيفية نظم القرآن، واشتماله على شتم الشياطين، فلهذا السبب تقولون: إنه من باب الكهانة.
{تنْزِيلٌ مِنْ ربِّ الْعالمِين (43)}
اعلم أن نظير هذه الآية قوله في الشعراء: {أنّهُ لتنزِيلُ ربّ العالمين * نزل بِهِ الروح الأمين * على قلْبِك لِتكُون مِن المنذرين} [الشعراء: 192 194] فهو كلام رب العالمين لأنه تنزيله، وهو قول جبريل لأنه نزل به، وهو قول محمد لأنه أنذر الخلق به، فههنا أيضا لما قال فيما تقدم: {إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ} [الحاقة: 40] أتبعه بقوله: {تنزِيلٌ مّن رّبّ العالمين} حتى يزول الإشكال، وقرأ أبو السمال: تنزيلا، أي نزل تنزيلا. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {فلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُون وما لا تُبْصِرُون}
المعنى أقسم بالأشياء كلّها ما ترون منها وما لا ترون.
و{لا} صلة.
وقيل: هو رد لكلام سبق؛ أي ليس الأمر كما يقوله المشركون.
وقال مقاتل: سبب ذلك أن الوليد بن المغيرة قال: إن محمدا ساحر.
وقال أبو جهل: شاعر.
وقال عقبة: كاهن؛ فقال الله عز وجل: {فلا أُقْسِمُ} أي أقسم.
وقيل: {لا} هاهنا نفي للقسم، أي لا يحتاج في هذا إلى قسم لوضوح الحق في ذلك، وعلى هذا فجوابه كجواب القسم.
{إِنّهُ} يعني القرآن {لقول رسُولٍ كرِيمٍ} يريد جبريل، قال الحسن والكلبيّ ومقاتل.
دليله: {إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ ذِي قُوّةٍ عِند ذِي العرش} [التكوير: 19-20].
وقال الكلبيّ أيضا والقُتبِي: الرسول هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: {وما هُو بِقول شاعِرٍ} وليس القرآن قول الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما هو من قول الله عز وجل ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلّغُه والعاملُ به، كقولنا: هذا قول مالك.
قوله تعالى: {وما هُو بِقول شاعِرٍ} لأنه مباين لصنوف الشعر كلها.
{ولا بِقول كاهِنٍ} لأنه ورد بسبّ الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئا على من يسبّهم.
و(ما) زائدة في قوله: {قلِيلا مّا تُؤْمِنُون}، {قلِيلا مّا تذكّرُون}؛ والمعنى: قليلا تؤمنون وقلِيلا تذكّرُون.
وذلك القليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله.
ولا يجوز أن تكون (ما) مع الفعل مصدرا وتنصب {قليلا} بما بعد (ما)، لما فيه من تقديم الصلة على الموصول؛ لأن ما عمل فيه المصدر من صلة المصدر.
وقرأ ابن مُحيْصِن وابن كثِير وابن عامر ويعقوب {ما يُؤْمِنُون}، و{يذكرون} بالياء.
الباقون بالتاء لأن الخطاب قبله وبعده.
أما قبله فقوله: {تُبْصِرُون} وأما بعده: {فما مِنْكُمْ} الآية.
قوله تعالى: {تنزِيلٌ} أي هو تنزيل.
{مِّن رّبِّ العالمين} وهو عطف على قوله: {إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ}، أي إنه لقوله رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين. اهـ.

.قال الألوسي:

{فلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُون (38) وما لا تُبْصِرُون (39)}
قد تقدم الكلام في {فلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُون وما لا تُبْصِرُون} [الواقعة: 75] لا أقسم بمواقع النجوم وما تبصرون وما لا تبصرون المشاهدات والمغيبات وإليه يرجع قول قتادة هو عام في جميع مخلوقاته عز وجل وقال عطاء ما تبصرون من آثار القدرة وما لا تبصرون من أسرار القدرة وقيل الأجسام والأرواح وقيل الدنيا والآخرة وقيل الإنس والجن والملائكة وقيل الخلق والخالق وقيل النعم الظاهرة والباطنة والأول شامل لجميع ما ذكر وسبب النزول على ما قال مقاتل: إن الوليد قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر وقال أبو جهل شاعر وقال عتبة كاهن فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه: {فلا أُقْسِمُ} إلخ.
{إِنّهُ لقول رسُولٍ كرِيمٍ (40)}
{إنّهُ} أي القرآن {لقول رسُولٍ} يبلغه عن الله تعالى فإن الرسول لا يقول عن نفسه {كرِيمٌ} على الله عز وجل وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قول الأكثرين وقال ابن السائب ومقاتل وابن قتيبة هو جبريل عليه السلام وقوله تعالى: {وما هُو بِقول شاعِرٍ} إلخ قيل دليل لما قاله الأكثرون لأن المعنى على إثبات أنه عليه الصلاة والسلام رسول لا شاعر ولا كاهن كما يشعر بذلك سبب النزول وتوضيح ذلك أنهم ما كانوا يقولون في جبريل عليه السلام أنه كذا وكذا وإنما كانوا يقولونه في النبي صلى الله عليه وسلم فلو أريد برسول كريم جبريل عليه السلام لفات التقابل ولم يحسن العطف كما تقول أنه لقول عالم وما هو بقول جاهل ولو قلت وما هو بقول شجاع نسبت إلى ما تكره وتعقبه بعض الأئمة بأن هذا صحيح إن سلم أن المعنى على إثبات رسول لا شاعر ويكون قوله تعالى: {إِنّهُ لقول رسُولٍ لا قول شاعِرٌ} إثباتا للرسالة على طريق الكناية أما إذا جعل المقصود من السياق إثبات حقية المنزل وأنه من الله عز وجل فإنه تذكرة لهؤلاء وحسرة لمقابليهم وهو في نفسه صدق ويقين لا يحوم حوله شك كما يدل عليه ما بعد فللقول الثاني أيضا موقع حسن وكأنه قيل إن هذا القرآن لقول جبريل الرسول الكريم وما هو من تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم كما تزعمون وتدعون أنه شاعر وكاهن ويكون قد نفى عنه صلى الله عليه وسلم الشعر والكهانة على سبيل الإدماج انتهى وهو تحقيق حسن {قلِيلا مّا تُؤْمِنُون} أي تصدقون تصديقا قليلا على أن قليلا صفة للمفعول المطلق لتؤمنون وما مزيدة للتأكيد والقلة بمعناها الظاهر لأنهم لظهور صدقه صلى الله عليه وسلم لزم تصديقهم له عليه الصلاة والسلام في الجملة وإن أظهروا خلافه عنادا وأبوه تمردا بألسنتهم وحمل الزمخشري القلة على العدم والنفي أي لا تؤمنون البتة ولا كلام فيه سوى أنه دون الأول في الظهور وقال أبو حيان لا يراد بقليلا هنا النفي المحض كما زعم فذلك لا يكون إلا في أقل نحو أقل رجل يقول كذا إلا زيد وفي قل نحو قل رجل يقول كذا إلا زيد وقد يكون في قليل وقليلة إذا كانا مرفوعين نحو ما جوزوا في قوله:
أنيخت فالقت بلدة فوق بلدة ** قليل بها الأصوات إلا بغامها

أما إذا كان منصوبا نحو قليلا ضربت أو قليلا ما ضربت على أن تكون ما مصدرية فإن ذلك لا يجوز لأنه في قليلا ضربت منصوب بضربت ولم تستعمل العرب قليلا إذا انتصب بالفعل نفيا بل مقابلا للكثير وأما في قليلا ما ضربت على أن تكون ما مصدرية فيحتاج إلى رفع قليل لأن ما المصدرية في موضع رفع على الابتداء.اه.
وأنت تعلم أن مثل ذلك لا يسمع على مثل الزمخشري بغير دليل فإن الظاهر أنه ما قال ما قال إلا عن وقوف وهو فارس ميدان العربية وجوز كونه صفة لزمان محذوف أي زمانا قليلا تؤمنون وذلك على ما قيل إذا سألوا من خلقهم أو من خلق السموات والأرض فإنهم يقولون حينئذٍ الله تعالى وقال ابن عطية نصب قليلا بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون ويحتمل أن تكون ما نافية فينتفي إيمانهم البتة ويحتمل أن تكون مصدرية وما يتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي وقد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئا ككون الصلة والعفاف اللذين كانا يأمر بهما عليه الصلاة والسلام حقا وصوابا اه.
وتعقب بأنه لا يصح نصب قليلا بفعل مضمر دال عليه تؤمنون لأنه إما أن تكون ما المقدرة معه نافية فالفعل المنفي بما لا يجوز حذفه وكذا حذف ما فلا يجوز زيدا ما أضربه على تقدير ما أضرب زيدا ما أضربه وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفع على الفاعلية بقليلا أي قليلا إيمانكم ويرد عليه لزوم عمله من غير تقدم ما يعتمد عليه ونصبه لا ناصب له وإما في موضع رفع على الابتداء ويرد عليه لزوم كونه مبتدأ بلا خبر لأن ما قبله منصوب لا مرفوع فتأمل وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بخلاف عنهما والحسن والجحدري {يؤمنون} بالياء التحتية على الالتفات.
{ولا بِقول كاهِنٍ} كما تدعون مرة أخرى {قلِيلا مّا تذكّرُون} أي تذكرون تذكرا قليلا فلذلك يلتبس الأمر عليكم وتمام الكلام فيه إعرابا كالكلام فيما قبله وكذا القراءة وذكر الإيمان مع نفي الشاعرية والتذكر مع نفي الكاهنية قيل لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند فلا عذر لمدعيها في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله صلى الله عليه وسلم ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهانة ومعاني أقوالهم وتعقب بأن ذلك أيضا مما يتوقف على تأمل قطعا وأجيب بأنه يكفي في الغرض الفرق بينهما أن توقف الأول دون توقف الثاني.
{تنزِيل} أي هو تنزيل {مِن رّبّ العالمين} نزله سبحانه على لسان جبريل عليه السلام وقرأ أبو السمال {تنزيلا} بالنصب بتقدير نزله تنزيلا. اهـ.